ابن قيم الجوزية

677

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ثم « الغيرة » أيضا نوعان : غيرة الحق تعالى على عبده ، وغيرة العبد لربه لا عليه . فأما غيرة الرب على عبده : فهي أن لا يجعله للخلق عبدا . بل يتخذه لنفسه عبدا . فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين . بل يفرده لنفسه . ويضنّ به على غيره . وهذه أعلى الغيرتين . وغيرة العبد لربه ، نوعان أيضا : غيرة من نفسه . وغيرة من غيره . فالتي من نفسه : أن لا يجعل شيئا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه ؛ والتي من غيره : أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون . ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون . وأما الغيرة على اللّه : فأعظم الجهل وأبطل الباطل . وصاحبها من أعظم الناس جهلا . وربما أدت بصاحبها إلى معاداته وهو لا يشعر . وإلى انسلاخه من أصل الدين والإسلام . وربما كان صاحبها شرّا على السالكين إلى اللّه من قطاع الطريق . بل هو من قطاع طريق السالكين حقيقة . وأخرج قطع الطريق في قالب الغيرة . وأين هذا من الغيرة للّه ؟ التي توجب تعظيم حقوقه ، وتصفية أعماله وأحواله للّه ؟ فالعارف يغار للّه . والجاهل يغار على اللّه . فلا يقال : أنا أغار على اللّه . ولكن أنا أغار للّه . وغيرة العبد من نفسه : أهم من غيرته من غيره . فإنك إذا غرت من نفسك صحّت لك غيرتك للّه من غيرك ، وإذا غرت له من غيرك ، ولم تغر من نفسك : فالغيرة مدخولة معلولة ولا بد . فتأملها وحقق النظر فيها . فليتأمل السالك اللبيب هذه الكلمات في هذا المقام ، الذي زلت فيه أقدام كثير من السالكين . واللّه الهادي والموفق المثبت . كما حكي عن واحد من مشهوري الصوفية ، أنه قال : لا أستريح حتى لا أرى من يذكر اللّه . يعني غيرة عليه من أهل الغفلة وذكرهم . والعجب أن هذا يعد من مناقبه ومحاسنه . وغاية هذا : أن يعذر فيه لكونه مغلوبا على عقله . وهو من أقبح الشطحات « 1 » . وذكر اللّه على الغفلة وعلى كل حال : خير من نسيانه بالكلية . والألسن متى تركت ذكر اللّه - الذي هو محبوبها - اشتغلت بذكر ما يبغضه ويمقت عليه . فأي راحة للعارف في هذا ؟ وهل هو إلا أشق عليه ، وأكره إليه ؟ . وقول آخر : لا أحب أن أرى اللّه ولا أنظر إليه . فقيل له : كيف ؟ قال : غيرة عليه من نظر مثلي . فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة ، الدالة على جهل صاحبها ، مع أنه في خفارة ذله وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه « 2 » .

--> ( 1 ) إن ما يدعونه من الشطح والاصطلام ونحوها : إنما هي أستار وتقية يتقون بها من لم يكن من عارفيهم ، وله نفوذ وسلطان ، أو لأنهم يريدون جذبه وإلقاء الشبكة حوله ليصيدوه . واحذر يا أخي ، فكلامهم سم في دسم . نصيحة صادق كان قد وقع في الشبكة . فأحسن اللّه إليه وخلصه . فهو أدرى بخيوطها وعقدها . ( 2 ) ليس هذا بتواضع . وإنما هو تظاهر بالتواضع لينال من قلوب الدهماء عبادة وتقديسا أكثر والتواضع : تواضع رسول اللّه وأصحابه .